الشيخ محمد رشيد رضا
175
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وعليا واسحق والحميدي يحتجون بحديث عمرو بن شعيب فمن الناس بعدهم ؟ والتحقيق ما قاله الذهبي « لسنا نقول إن حديثه من أعلى أقسام الصحيح بل هو من قبيل الحسن » فإذا كان حديث أبي ثعلبة مما يحتج به كما تقدم وهو معارض لحديث عدي والجمع بينهما ممكن بحمل النهي في حديث عدي على كراهة التنزيه فلم لا يصار اليه ؟ قال بعضهم ان عديا كان موسرا فاختير له الحمل على الأولى بخلاف أبي ثعلبة فإنه كان اعرابيا فقيرا ، وردوا هذا بتعليل الحديث بخوف ان يكون انما أمسك على نفسه ، وأقول إن مفهوم هذا التعليل ان من علم بالقرينة انه امسك عليه فله ان يأكل منه وان أكل الجارح قطعة منه لشدة جوعه مثلا كما يأكل من سائر طعام معلمه ، وان علم بالقرينة انه انما صاد لنفسه وأمسك لها لعدم انتهاء تعليمه وتكليبه فليس له أن يأكل الا إذا اعتقد ان النهي لكراهة التنزيه كما قال بعضهم . والخوف من الامساك على نفسه ترجيح له اما « من » في قوله تعالى « مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ » فذهب ابن جرير إلى أنها للتبعيض فان ما يمسكه الجارحة حلال لحمه حرام فرثه ودمه فيؤكل بعضه وهو اللحم ، ورد قول بعض النحويين انها زائدة . وأقول هي هنا مثلها في قوله تعالى « كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ - كلوا من طيبات ما كسبتم - كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ - كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً - كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ » فمن في كل ذلك للابتداء على أصل معناها ، فان كانت للتبعيض فلانه الواقع غالبا لا لإفادة حل بعض ما ذكر وتحريم بعض . ثم قال تعالى وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ الظاهر المتبادر من هذا الامر اذكروا اسم اللّه على ما أمسكت عليكم جوارحكم من الصيد عند أكله . والمشهور ان المراد به التسمية عند ارسال الكلب ونحوه اخذا من حديث عدي بن حاتم « إذا أرسلت كلبك وسميت فأخذ فقتل فكل - وفي رواية - فان وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله » وفي رواية « فإنما سميت على كلبك ولم تسمّ على غيره » وقد يقال إن هذا لم يرد في تفسير الآية فهو حكم قد ثبت بالسنة على رأى من يقول إن الاحكام تثبت بها وان لم يكن لها أصل في الكتاب . أو هو مأخوذ من آية أخرى كظاهر « وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ » أو يقال إن التسمية عند إرسال الكلب سنة